محمد بن علي الشوكاني
266
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الوارد على خلاف دليل العقل ، المدفوع بالأصول المقررة . وبالجملة ، فإطالة ذيول الكلام في مثل هذا المقام إضاعة للأوقات ، واشتغال بحكاية الخرافات المبكيات ، لا المضحكات . وليس مقصودنا هاهنا إلا إرشاد السائل إلى أن المذهب الحق في الصفات هو إمرارها على ظاهرها من غير تأويل ، ولا تحريف ، ولا تكلف ، ولا تعسف ، ولا جبر ، ولا تشبيه ، ولا تعطيل [ 4 ب ] وأن ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم . فإن قلت : ماذا تريد بالتعطيل في مثل هذه العبارات التي تكررها ؟ فإن أهل المذاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك ، ويتحاشون عنه ، ولا يصدق معناه ، ولا يوجد مدلوله إلا في طائفة من طوائف الكفار ، وهم المنكرون للصانع ؟ . قلت : يا هذا ، إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام ، فإنه لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم ، ويذكرونه في مؤلفاتهم ، ويحكونه عن أكابرهم ، أن الله - سبحانه وتعالى ، وتنزه وتقدس - لا هو جسم ، ولا جوهر ، ولا عرض ، ولا داخل العالم ولا خارجه ( 1 ) . فأنشدك الله ، أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي ؟ ! وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي تقوم مقام هذه المبالغة ؟ ! فكأن هؤلاء في فرارهم من شبهة التشبيه إلى هذا التعطيل كما قال القائل : فكنت كالساعي إلى مثعب . . . موائلا من سبل الراعد ( 2 ) أو كالمستجير من الرمضاء ( 3 ) بالنار ، والهارب من لسعة الزنبور إلى لدغة الحية ، ومن
--> ( 1 ) انظر رد ابن تيمية على هؤلاء في منهاج السنة ( 2 / 130 - وما بعدها ) . الأسماء والصفات ( 1 / 38 - 40 ) لابن تيمية وتلبيس الجهمية ( 1 / 89 ) . ( 2 ) المثعب : مسيل الماء في الوادي . الموائل : طالب النجاة . وهو مثل يضرب لمن يهرب من الشيء فيقع بما هو أشد منه . ( 3 ) يضرب في الخلتين من الإساءة تجتمعان على الرجل .